أ.هاجر لعروسي، دكتوراه إذاعة وتلفزيون، كلية الإعلام، جامعة الجزائر3
مقدمة:
تنطلق الأطروحات المؤسسة للفضاء العمومي بخصائصه الرمزية الاتصالية من
سياقات مختلفة تدعو للبحث فيها، حيث يبرز مشهدين عامين أولهما تقليدي موجه
وثانيهما نقدي وحر. وهو ما يساهم في بناء الفضاء ووظائفه ووسائل عمله.
وسنبرز في مداخلتنا المعنونة بمفترضات تأسيس الفضاء العمومي من خلال
القراءة النقدية للفيلسوفة الأمريكية "نانسي فريزر"[1]
لقراءات وأفكار هيبرماس[2]
ومنطلقاته لأفكار حنا أرنت وكانت.
ظهور وتبلور مصطلح الفضاء العمومي:
ü المدينة أو الدولة polis عند أرسطو وهو ما حدده كشرط لتحديد الإنسان المواطن.
ü المجال
العام والخاص لحنا أرنت: حيث اشترطت التمييز بين المجال الخاص والعام
وهو ما أسمته via
activa "حياة-فعل".
ü العمومية عند كانت
"الاستعمال الخاص والعمومي للعقل": يعود الفضل إليه في التفكير في العمومية الذي دعا فيه
لاستعمال العقل بشجاعة، استقلالية، مسؤولية وإرادة. حيث ميز كانت بين استعمالين
للعقل: خاص وعمومي، هذا الأخير يعتبر من ركائز ومنطلقات الفضاء العمومي عند هابرماس.
والعمومية كمفهوم متداول يشير إلى ذلك الترابط بين الإنسان كذات مفكرة
وعاملة وفاعلة مع نفسه من جهة ومع الآخرين
والعالم من جهة أخرى حيث يجمع الشأن الذاتي والجمعي والشأن العام.
ü الفضاء العمومي
عند هابرماس.
يقترب هابرماس في نظرته للفضاء العمومي والبرجوازية من زاويتين: نظرية-معرفية
وأخرى ممارستية ملموسة من خلال الربط بين الفضاء العمومي والديمقراطية، ويرتكز
أساسا على أفكار كانت ومبدأ العمومية " الاستعمال العمومي للعقل". إضافة
للمفاهيم الرائجة في ذلك الوقت خاصة تصور حنا أرنت حول الميدان العمومي وصيّره وفق
المرحلة المعيشة التي تنسجم ومرحلة ما بعد النازية، حيث انطلق من واقع ألمانيا بعد
الحرب العالمية الثانية وما يستلزم سياسيا لتجاوز الكوارث.
واستلزم أبعادا ثلاث للتفكير في الفضاء العمومي "سياسية، اجتماعية
والتحولات التاريخية":
1- اندماج الفرد في المجتمع.
2- مشاركة الفرد المواطن
في تعزيز الديمقراطية "السلطة السياسية".
3- مشاركة الفرد
المواطن في الحياة العامة والسياسية.
وعموما يرتكز
الفضاء العمومي عند هابرماس على:
-
التكون التاريخي
-
التحولات المرتبطة بالوضع الاقتصادي، الاجتماعي
والسياسي.
-
يقوم الفضاء العمومي بوظيفة: الحوار، الحجاج والإقناع
"الدور الاتصالي".
-
تفاعله مع عناصر البنية العامة للمجتمع البرجوازي.
-
ارتباطه بالرأي العام وطرق عمله واتجاهاته نحو السلطة
"الخضوع والهيمنة أو ضد السلطة "القوة المضادة" "
وعليه يعرف هابرماس
الفضاء العمومي بأنه: مجالا لمجموعة من الناس الخاصين المجتمعين في شكل جمهور
وهؤلاء الناس يطالبون بهذا المجال المقنن والمنظم من طرف السلطة ولكنهم يطالبون به
مباشرة ضد السلطة نفسها لكي يتمكنوا من مناقشتها حول القواعد العامة لتبادل
البضائع والعمل الاجتماعي.
ï دلالات مفهوم
الفضاء العمومي:
ï سياسية: أي نمط اجتماع الأفراد في
المدينة وكيفية تنظيمهم لشؤونهم ولكيفية استعمالهم لمواهبهم الذهنية والجسدية.
ï اجتماعية: لأنه يمثل مسحا لكل
البنيات الاجتماعية من جهة مكوناتها ووظائفها وكيفية تفاعل عناصرها؛
ï اقتصادية: لأن الفضاء العمومي هو
أيضا مجال لتبادل السلع والبضائع وحل مشكلات التوزيع، ويشمل مختلف علاقات الإنتاج
والاستعمال والتبادل ولطبيعة اشتغالها تحررا أم اغترابا وهو فضاء المجتمع المدني.
ï ثقافية: ويتعلق الأمر هنا
بالإنتاجات الرمزية اللغوية والأدبية والفكرية… حيث تتبع هابرماس حركة الصالونات
الأدبية ودور البرجوازية كأفراد خصوصيين لعبوا أدوارا هامة في الصراع بين الطبقة
الثالثة وبقايا الإقطاعية…
ï اثيقية: فالفضاء العمومي يحتاج إلى
توجيه الإنسان لذاته فكرا وعملا، وهو ما ليس ممكنا إلا بفضل معايير إثيقية معينة
سيحددها هابرماس فيما بعد في قواعد أخلاقيات المناقشة، دون أن ننسى حقيقة الفعل
الإنساني من جهة منطلقاته وغاياته وأساليب مداولته مع الأخر بخصوص الشأن العام.
ï أنطولوجية: وتتعلق بالمجال الذي يوجد
فيه الكائن: تربة الوجود المشترك من أجل العيش المشترك. فوجود الفرد داخل الفضاء العمومي
هو وجود الكائن داخل مجال مؤسس على مبادئ ومحكوم بقيم حارسة للإنسانية. والفرد
يتمتع في هذا الفضاء بكل حرياته المتاحة والتي تنسجم مع العقل من أجل تنظيم هذا
المجال تنظيما محكما يجعله متأرجحا بين المجتمع والدولة.
ï
بنية الفضاء العمومي حسب النموذج الليبرالي:
ï السلطة كوسيط
توظفه الدولة والمجتمع السياسي.
ï المال كوسيط
ويستعمله النسق الاقتصادي أو مجال التبادلات الاقتصادية والتجارية والمالية.
ï الفعل التواصلي
كوسيط يستعمله المجتمع المدني الفعال في الفضاء العمومي.
ï وسائل الإعلام
والمجتمع المدني في الفضاء العمومي:
يؤكد هابرماس على ضرورة التمييز بين المجالين، الذي يشمل الدولة ومؤسساتها
وبين الميدان الخاص الذي يتصل بالحياة الشخصية للأفراد وحقوقهم المدنية. حيث يفرق
بين العمومية والدعاية، هذه الأخيرة تعتبر آلية من آليات التأثير في الرأي العام
عبر التحايل والكذب والتغليط وتشويه الحقائق عبر وسائل الإعلام، أين تهدف الدولة
إلى التحكم السياسي manipulation
لتحقيق التطابق بين برنامج
الحكومة والحاجيات التي يطالب بها الشعب.
كما تندرج إشكالية الفضاء العمومي ضمن إشكالية العلاقة بين الدولة والمجتمع
المدني، لأن التفكير في الفضاء العام هو تفكير في الممارسة الإنسانية وغاياتها
السياسية، الاجتماعية والتاريخية من جهة وكيفية اندماج الفرد في المجتمع ومشاركته
في الحياة الاجتماعية والممارسة السياسية أي الديمقراطية كفعل.
ï
نانسي فريزر وما بعد البرجوازية " ظهور مفاهيم
الأقليات العرقية والاثنية، الحركة النسوية....":
تطرح فريزر ضرورة التفكير في مسألة الفضاء العمومي في زمن العولمة وما
تطرحه الديمقراطية الحالية من حدود بعد أزمة دولة الرعاية وما يفرضه من تفكير في
الدولة وما بعد الدولة –بفكر هابرماس-، حيث لم تؤسس فريزر لنظرية حول الفضاء
العمومي بل حاولت إعادة النظر في بعض مرتكزات نظرية هابرماس من خلال النقد. ودعت
فريزر للحاجة لفضاء العمومي مابعد البرجوازية post bourgeoisies بديل من خلال تجديد أطروحات النظرية النقدية
وحددت الإشكالات التي يفرضها الفضاء العمومي الهابرماسي في:
-
العلاقة بين الدولة وأجهزتها من جهة والفضاءات التعبيرية
العمومية والجمعيات من جهة.
-
كل من النمطية البرجوازي والاشتراكي لم يعودا صالحين
لنمط العيش المشترك اليوم.
-
رفضت حصر التعريف الهابرماسي الذي يحدد المشاركة في
جمهور مثقف وناقد كون المجتمع المعاصر يختلف جذريا على القرنين 18 و19.
-
الحاجة إلى تجديد نظرية الفضاء العمومي وتجاوزها كون
الشروط الجديدة لديمقراطية الجماهير ودولة الرعاية في نهاية القرن 20 وظهور معطيات
الواقع الجديد الذي كشفت عنه نظريات جديدة في التاريخ، العرق، النوع والثقافة
أسقطت الفضاء العمومي البرجوازي والنموذج الليبرالي.
-
العلاقة بين الجمهور البرجوازي وباقي العمومي هي دوما
علاقات صراعية.
-
أهمّ مشاغلها نجد موضوع
اختصاصها الأوّل وهو الفلسفة السياسيّة، ومن الإشكاليّات التي بحثت فيها نذكر
العدالة والحقّ، والنظريّة النسويّة والفضاء العمومي. وعرفت فريزر بقراءاتها
النقديّة لمفهوم الفضاء العام لدى هابرماس وقولها بوجود فضاء عام كوني يتجاوز
الحدود السياديّة التقليديّة أطلقت عليه اسم "الفضاء العمومي ما بعد
البرجوازي" في مقابل ما أسمته "الأنموذج الليبرالي للفضاء العمومي
البرجوازي" المتّصل بنظريّة هابرماس. وقد بنت أطروحتها على نظرة نقديّة لنمطي
الدولة البرجوازي والاشتراكي، إذ أدركت أنّهما لم يعودا ملائمين لنمط العيش
المشترك في زمننا الحاضر فهما لا ينسجمان مع عالم ينشد مواطنة كونيّة تزول فيها
الحدود الوطنيّة المألوفة. وأكّدت من ثمّ قيمة هذا الفضاء العمومي في فهم المشكلات
الراهنة المتعلقة بالديمقراطيّة فضلا عن أهمّيّته في إنتاج الخطاب النقدي تجاه
الدولة. فالبرجوازيّة ليست وحدها من يمثّل هذا الفضاء ويؤطّره، إنّما ثمّة عناصر
أخرى لا تقلّ أهمّيّة عنها مثل جمهور المواطنين والنساء والطبقة العاملة وصغار
الفلاحين.. وهو جمهور يتميّز بالتعدّد والتنوّع. وقد فرضت هذه الرؤية الجديدة
للفضاء العمومي استدعاء مفاهيم النوع والعرق والطبقة لإعادة تمثّله ومقاربته وفهم
آليات تشكّله واشتغاله على أسس دوليّة أو كونيّة.
قائمة المراجع:
1- رشيد علوي، الفضاء
العمومي من هابرماس إلى نانسي فريزر، موقع حرية السودان، تاريخ النشر 2 جانفي
2015، تاريخ الزيارة 2 فيفري 2017، رابط المقال http://www.hurriyatsudan.com/? p=173432.
2- مؤمنون لا
حدود: للدراسات والأبحاث، نانسي فريزر، تاريخ الزيارة 25 فيفري 2017، http://www.mominoun.com/articles/%D9%86%D8%A7%D9%86%D8%B3%D9%8A-%D9%81%D8%B1%D9%8A%D8%B2%D8%B1-ancy-raser-4266.
3- Jürgen
Habermas, « l’espace public : 30ans après », Quaderni,
n18, automne1992 ; p-p 161-191.
[1] نانسي فريزر: فيلسوفة أمريكية، تعدّ من أهم فلاسفة الجيل
الثالث لمدرسة فرانكفورت النقدية، باحثة في مجالات العدالة والحقّ، والنظريّة
النسويّة والفضاء العمومي. وعرفت فريزر بقراءاتها النقديّة لمفهوم الفضاء العام
لدى هابرماس وقولها بوجود فضاء عام كوني يتجاوز الحدود السياديّة التقليديّة أطلقت
عليه اسم "الفضاء العمومي ما بعد البرجوازي" في مقابل ما أسمته "الأنموذج
الليبرالي للفضاء العمومي البرجوازي" المتّصل بنظريّة هابرماس. وقد بنت
أطروحتها على نظرة نقديّة لنمطي الدولة البرجوازي والاشتراكي، وأكّدت من ثمّ قيمة
هذا الفضاء العمومي في فهم المشكلات الراهنة المتعلقة بالديمقراطيّة فضلا عن
أهمّيّته في إنتاج الخطاب النقدي تجاه الدولة. وثمّة عناصر أخرى مثل جمهور
المواطنين والنساء والطبقة العاملة وصغار الفلاحين.. وهو جمهور يتميّز بالتعدّد
والتنوّع. وقد فرضت هذه الرؤية الجديدة للفضاء العمومي استدعاء مفاهيم النوع
والعرق والطبقة لإعادة تمثّله ومقاربته وفهم آليات تشكّله واشتغاله على أسس دوليّة
أو كونيّة.
[2] يورغن هابرماس: فيلسوف وعالم اجتماع ألماني ويعتبر من الجيل
الثاني لمدرسة فرانكفورت (المدرسة الفلسفية الماركسية) وهو مؤسس "نظرية الفعل
التواصلي".
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire